الجصاص

65

أحكام القرآن

النبي صلى الله عليه وسلم من بينهم ، ألا ترى أن الأمم السالفة لما استحقوا الاستيصال أمر الله أنبياءه بالخروج من بينهم نحو لوط وصالح وشعيب صلوات الله عليهم ؟ وقوله تعالى : ( وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون ) قال ابن عباس : " لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة بقيت فيها بقية من المؤمنين " وقال مجاهد وقتادة والسدي : " أن لو استغفروا لم يعذبهم " . قوله تعالى : ( وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام ) . وهذا العذاب غير العذاب المذكور في الآية الأولى ، لأن هذا عذاب الآخرة والأول عذاب الاستيصال في الدنيا . وقوله تعالى : ( وما كانوا أولياءه ) قيل فيه وجهان ، أحدهما : ما قال الحسن إنهم قالوا نحن أولياء المسجد الحرام فرد الله ذلك عليهم ، والوجه الآخر : ما كانوا أولياء الله إن أولياء الله إلا المتقون . فإذا أريد به أولياء المسجد ففيه دلالة على أنهم ممنوعون من دخول المسجد الحرام والقيام بعمارته ، له وهو مثل قوله تعالى : ( ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله ) [ التوبة : 17 ] . وقوله عز وجل : ( وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية ) . قيل : المكاء الصفير والتصدية التصفيق ، روي ذلك عن ابن عباس وابن عمر والحسن ومجاهد وعطية وقتادة والسدي . ووري عن سعيد بن جبير أن التصدية صدهم عن البيت الحرام . وسمى المكاء والتصدية صلاة لأنهم كانوا يقيمون الصفير والتصفيق مقام الدعاء والتسبيح . وقيل : إنهم كانوا يفعلون ذلك في صلاتهم . قوله تعالى : ( وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله ) . قال ابن عباس والحسن : " حتى لا يكون شرك " . وقال محمد بن إسحاق : " حتى لا يفتتن مؤمن عن دينه " . والفتنة ههنا جائز أن يريد بها الكفر وجائز أن يريد بها البغي والفساد ، لأن الكفر إنما سمي فتنة لما فيه من الفساد ، فتنتظم الآية قتال الكفار وأهل البغي وأهل العيث والفساد ، وهي تدل على وجوب قتال الفئة الباغية . وقوله تعالى : ( ويكون الدين كله لله ) يدل على وجوب قتال سائر أصناف أهل الكفر إلا ما خصه الدليل من الكتاب والسنة ، وهم أهل الكتاب والمجوس ، فإنهم يقرون بالجزية . ويحتج به من يقول لا يقر سائر الكفار على دينهم بالذمة إلا هؤلاء الأصناف الثلاثة ، لقيام الدلالة على جواز إقرارها بالجزية . الكلام في قسمة الغنائم قال الله تعالى : ( واعلموا أنما غنمتم من شئ فأن لله خمسه ) ، وقال في آية